قصة قصيرة

 


ذات الإطار الأبنوسي



موسى غافل الشطري

بدأ ( فريد ) يدرك مبكراً ما يدور حوله من خفايا الأمور. دون أن يبدو على ملامحه, سوى زغب كحلي, رسم خطوطه على شفتيه بلطف, فتحكمت العينان بنظرات ثاقبة, وكوّن له مملكة من الإدراك العميق, تضفي سحراً على محيّاه غمازتان موحيتان. تجلى عبر تلك الملامح عمق التأمل, وفتوة الوجه بوضوح .بينما بدت قائمتاه مريضتين, تقهقرت حيويتهما, وضمرتا بسبب شلل رافقه منذ طفولته، فاعتاد آن يخفيهما . لذا.. فقد استكان, وأقر أن يعتاد, بقضاء وقته على كرسي متحرك مطلاً من فوقه عبر بوابة الدار, مراقبا بصمت ما تدب من حركة. كان ودودا بل أن الجميع يستأنسونه, فيقفون بقربه، ليلتقطوا إجاباته المقتضبة, أو يجبروه على محاورة تخفف من معاناة عاهته.

يؤنسه أن يشاهد( مروج ) تلك الفتاة التي لم تخفِ رغبتها في اقترابها إليه وتشغله بمقارنة طالما تأرّق من اجلها أمام تلك اللوحة الجدارية التي شغلت غرفته منذ حداثته. * * *

ذات يوم.. دعتها أمه, لكي تعينها على حمله إلى كرسيه المتحرك, طبعا أخجله ذلك.

فقالت الأم : إني لا أستطيع أن ارفعه بمفردي, لقد كبر وخشن جسمه .

قالت مروج : ـ إني أرى ملامحه ناضجة و قد اكتملت .

تقابلت الأم والفتاة, كي يضعاه هناك, فتأرجحت ساقاه بين ساقي الفتاة الفتيين, ودفع ذلك بوعيه الرجولي, لكي يتأمل ملامح الفتاة الريانة. فاطرق برأسه, كما لو كانت قد أيقظت مشاعره عمدا.

ما أن استقر بكرسيه .. حتى مالت عليه مقتربة من جسده, وعلى نحو محسوس, متطوعة أن تدفعه نحو الحديقة, التي توحش مرجُها وأوحى إليه: بأنه قادر على تشذيبها وملئها بالأزهار.

قالت مروج :

- هل تستطيع احياءها كما كان يفعل والدك آنذاك ؟ إنها لا تحتاج سوى إلى جهد ضئيل. إنها تستدعيك أن تعتني فيها.هل بوسعي أن أشاطرك إحياءها ؟

عندما غادرت ( مروج) تحرت عيناه الحديقة التي لم تزل بنضارة خضرتها, عدا أن إطارها الزهري قد تلاشى, والذي يتطلب جهدا معافى .هــــل يستطيع أن يحييها بمفرده ؟

إذن عليه آن يهبط من كرسيه ويجرّب : إن كان بوسعه - كما فعل أبوه من قبل- أن يغرس أداته بشكل جيد, ويستطيع بموجبها.. أن يهيئ أرضا رخوة, صالحة للإنبات لكي ينشئ رحما عامرا بالأزهار.

فعلا.. هبط معتمدا على ذراعيه, واثقا بمقدرتهما . وزحف إلى داخل الحديقة, لكي يجرب تلك الأداة, ويغرسها هناك عميقا.

انه سيطلب من أمه : أن تهيئ أصص القرنفل والشقائق, وسينقل ذلك إلى الحديقة, مستعينا بالفتاة. إذا استطاعت, فعلا سيكون ذلك حري أن يجعل البيت رائقا ومزهرا.

عندما جاءت الفتاة.. احتضنت الأصص بحماس, واقتربت بها إليه, وبدت تنوء بحملها باسمة. بدا ( فريد ) يفرد الشتلات ويغرسها. كانا من الحماس : أن تتعانق أيديهما بألفة, وجسديهما. كذلك ,ليوحي إليه هذا بمشاعر طاغية . إنه يفترض.. أن تكون هناك مواقع يشغلها القرنفل والشقائق .

\( مروج ) كان همها- كما يوحى إليه - أن ترى الشتلات تتداخل ورودها وتكتنز, وتتفتح في الربيع, على نحو يثير سعادتهما. فنهضت ودفعت بآلة القص لكي تبدو الحديقة, ذات مرج مستو متجانس ومهيأ أن يحتضن الأزهار. إن ذلك سيعكس لوالدته, ما كان يفعل والده. ويريدها أن تتحسس: بان الحياة في هذا البيت ستمتلئ مجددا.

راقب ( فريد ) جسد ( مروج ) الفتي, وهو يثب ويدفع بأنوثته جهارا. وكان جهدها الشاق يستدعي أن يعلو صدرها ويهبط, كما لاح له : أن خِصَلاً من شعرها الفاحم تلتصق على نحرها.

بدت كأنها ربة بيت, تجري بالة الحديقة, حتى يكون باستطاعة ذلك الأريج الإنثوي أن ينفح. إنه يستطيع أن ينشئ حديقة عامرة بالأزهار, فواحة, معافاة. إنه ليس بحاجة إلى جهد إضافي عدا جهد (مروج).

بدت ابتسامته, لأول مرة تميل إلى الجرأة. بدا كأنه قادر على النهوض باستقامة, على ساقين سليمتين, لكي يغرس( مسحاته ) كمزارع ماهر في عمق الحديقة. بل انه أحس أن عوقه يمكن أن يكون هينا, وانه مثل أي شاب مكتمل, لا يعوزه إلى ذلك وسيطاً.

قالت: مروج :- إن شيئا واحدا يمكنه أن يحيي كل هذا .

قال : -ما هو؟

قالت:- أن يقترن بالإرواء .

كانت ماسورة الماء قد بدأت تدفع بمياهها عبر الإنبوب , وراحت الشتلات تميل جانبا .فيما بدت ( مروج ) تضغط برفق على التربة المحيطة بالغرسة .

قال فريد:- لماذا تفعلين هذا ؟

قالت:- لكي تتشبث الشتلة بالأرض .

قال :- إنني أتوقع أن ننجح.

قالت :- لماذا لا ؟ انك قادر أن تكون مزارعا كالآخرين. * * *

بعد إنجاز عملهما, غسلا أيديهما, وأدوات الحديقة.

قالت مروج : ــ هل أساعدك على الصعود إلى كرسيك .

قال :- إنني سأمكث, حاليا, أتأمل الحديقة .

ربما يصعب عليه أن يكون معوقا, بالتأكيد يصعب عليه ذلك, انه يريد أن يكون أمامها رجلاً كاملا . فلقد تصرفت معه بإحساس امرأة أمام رجل. * * *

كم سهر ليله لكي يتأمل تلك اللوحة البديعة قبالة سريره؟ التي شغلتها سيدةٌ رائعة, بحليةٍ ذهبيةٍ ورداءٍ وملامح جذابة مألوفة ؟

عندما اكتملت أنوثة مروج كان يدعوها دوما أن تتأمل معه ذلك التشابه المدهش بينها وبين صاحبة الصورة . تقف ( مروج ) منبهرة. ربما يسعدها أن يتطابقا بتفاصيل ملامحهما ويشغلان حيزا واحدا. اقترب من الكرسي المتحرك, وثبّت يديه على مسنديه لكي يتوازن, ويدفع بنفسه عليه, ثم يدفعه إلى ماسورة الماء ويغلقها.

بعد مضي وقت العشاء انسحب إلى غرفته ليقضي وقتا ليس قليلاً متطلعا إلى ذلك الوجه , و تلك الابتسامة الوقورة , و تساءل : ( هل يعقل أن تكون مروج بهذا البهاء ؟ )

راقب بعناية منقطعة النظير .. إلى تلك العينين, اللتين أوحين إليه : إن حدقتيهما يبعثان إليه بإيحاء ناطق, وان تلك الحلية الذهبية, الراقدة على صدرها تثير غيرته. ما هذا كله ؟* * *

منذ عوقه، واستعصاء قدرته، اعتاد أن يدفع بكرسيه, أمام بوابة الدار, ليرقب حركة الناس. كل أمله... أن يتحرى لكي يحظى برؤية ملامحها الأخاذة. ربما يحسسه ذلك بحاجته إن يضطرد نموه معها, هيأ كرسيه حتى يطل مباشرة أمام طريقها, حتى يرتوي من سواد عينيها, ونضارة وجهها. أما إذا خلت الطريق, فانه سيظل ساهما, كأنه يستعيد ما نفحته من أريج. غير إن ذلك لا يتكرر باستمرار,فيقضي وقته يجتر تفاصيل ذكرياته.

ما الذي يدعوها إلى تلك النظرة ؟ أهو الحب ؟ كلما تأمل تلك الصورة ,التي أطرقت برأسها نحو سريره، وجدها تجنح إلى ملامح ( مروج ) وكأنها هي.

ظل يرقب الصورة, ذات الإطار الأبنوسي, ويتأمل ابتسامتها التي عودته عليها, فبدت له العينين كأنهما تغازلانه , كيف لهذه الفتاة الرائعة , أن تنساق في حب مراهق ؟ كيف لها أن تحب كل هذا الحب؟ لاحت له عائدة من البوابة وهو مستلقٍِ على سريره, بذلك البهاء نفسه, وترمقه بتلك العينين, اللتين عاشرهما, منذ نعومة أظافره حتى هذه الساعة، أخفى قدميه تحت غطائه, حتى لا تفاجئها حالته المحزنة.

وقفت أمامه وقالت : - من أين أتيت بهذه العيون الناعسة ؟ لماذا تخفي ابتسامتك الآسرة هذه ؟

فابتسم بحياء . ثم قالت كأنها تتوعده : - انتظر ...دلفت إلى الداخل، واجتازت بوابة الغرفة، ناولته يديها فتمنّع، وقالت دون أن تراعي حرجه :

- لماذا تتحرج ..لأنك لا تستطيع؟

خفض رأسه, وضعت كفها تحت حنكه، ورفعت محياه :

ـ- هل تسمح برؤية ساقيك ؟

تندّى جبينه، ضاغطاً بذراعيه هناك، أراحتهما بهدوء، ومسحت عرقه وقالت :

أنا أساعدك . -لم يقل شيئا, لأنه يعرف مدى عجزه.

قالت له بصوت آمر:

ـ- أنا أقول إنهض .

نهض ( فريد ) فراقب ساقيه كيف استقامتا .

سألته: من في البيت ؟

قال : -أمي نائمة.

واربت الباب الخارجي وقادته إلى الحمام، كانت قدماه يتنقلان بعناء .

قالت :- امش .. ستعتاد كالآخرين.

قادته إلى المنـزع ..خلعت ثيابه، دعكت جسده كله، دلكت ساقيه بعنف، وسكبت الماء على جسده وساقيه.

ــ كم أنت جميل ؟افتح عينيك وشاهد ساقيك كيف تحلوان . : قالت

اغتصب نظره إلى هناك وقال : - هل هذا أنا ؟

قالت : ــ ومن تكن ؟ أليس من حقك أن تكون ؟ انك بحاجة إلى هذا, هل شاهدت سحر عينيك ؟

قال لها :- اعطني الصابون . خذ الصابون، وقطعة الجلي، وأبرى ساقيه وجسده, ضحكت وقالت :- أتقبلني زوجة ؟

أومأ برأسه موافقا .

أتت بالمنشفة، وناولته ملابسه الجديدة، فارتداها وغادرا الحمام.

كان الوقت يمضي في الليل. جلسا سوية في غرفته مثل زوج وزوجه. أمه لمّا تزل نائمة، ولا تعلم بأمرهما شيئا. * * *استلقيا على الفراش ، قال : أنا بحاجة إلى شم الهواء النقي.. إني أختنق .

قالت :هل ترغب أن نتجول مادام الجميع نائمين؟

غادرا إلى الشارع, الجو بديع، وضعا يدا بيد، وانطلقا راكضين . مرا بطرق المدينة كلها، عبثا هنا وهناك، طرقا الأبواب،الناس يجفلون ، فيطلون برؤوسهم ويهتفون :

- من الطارق ؟

الاثنان يختبئان، وهما يمضيان بالضحك، بعض العجائز تشتم وتقول : - من هو الخبيث الذي يطرق في عمق هذا الليل ؟

فتهمس ( مروج ) بصوت خافت :

فريد....... انه فريد....... الذي اختطف ( مروج ) . تعالوا وأنقذوها ؟ - أجهدا نفسيهما بهذا الجري والعبث، أجهدتهما المشاكسة. أية لذة عظيمة لهذه المشاكسة ؟

وبعد أن كلّت قواها من شدة الضحك قالت له :

ــ فريد ....أنا لا أستطيع الجري، لقد كلّت رئتاي من الضحك ، ألا تستطيع حملي بين ذراعيك ؟

حملها بين ذراعيه ، مثل أي شاب فتي ، وركض باتجاه زاوية قريبة يلوذ فيها .قال:- أتريدين أن أحملك

 مسافة أكثر؟ أنا لا يتعبني ذلك .

قالت: -دعني أتوسد ذراعك و أنام .

قال :- لا يجوز هذا في العراء. دعيني أحملك على البيت .

عادا إلى البيت متعبين, واندسا في الفراش, مضيا يتأملان جولتهما ويضحكان بصوت واطئ ، قالت مروج : - هل ما زلت مستيقظاً ؟

قال : - أُصارحك ..؟ إنّي متعب جداً . فقد مضيت أجري كالحصان .

قالت :

- آه ..كنتََ من الجموح بحيث عانيت من اللحاق بك. لا تنس.. عندما يشعشع الصباح أيقظني لكي أعود من حيث أتيت.

قال :

- أليس بوسعك أن تستغني، ولو لليلة ثانية، عن موقعك العالي ونمارس أحلامنا الجميلة؟ أليس من حقنا أن نتقارب في إطار واحد؟

Google


 في بنت الرافدينفي الويب


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

© حقوق الطبع والنشر محفوظة لموقع بنت الرافدين
Copyright © 2... bentalrafedain web site. All rights reserved.
 info@bentalrafedain.com