مقالات في الدستور

 

استلمنا المسودة .. لكن!

هادي فريد التكريتي

20. آب 2005
hadifarid@maktob.com


\"استلمنا مسودة الدستور ولكن ...هناك بعض النقاط العالقة ، ولا بد أن تعالج خلال الثلاثة أيام القادمة ..\" بهذه العبارة افتتح السيد حاجم الحسني رئيس الجمعية الوطنية حديثه مخاطبا أعضاء الجمعية وكبار رجال الدولة والحكومة ، ليرفع الجلسة على أمل أن تجتمع الجمعية الوطنية ، بعد ثلاثة أيام ، لمعالجة نقاط الخلاف التي لازالت عالقة ، إلا انه لم يعلن ماهية هذه النقاط التي مازالت تحول دون الاتفاق على إقرار المسودة ، رغم أن الكثيرين من أعضاء الجمعية ومن أعضاء صياغة المسودة قد أدلوا بتصريحات متناقضة ومتباينة حول ماهية هذه الخلافات.، وهذا يعني أن المسودة تصاغ بعيدا عنهم جميعا ، . ومن خلال قراءة آخر مسودة نشرت على بعض المواقع الالكترونية ، لم نقرأ ما كان يطالب به الكورد من مطالب ، وهذه كانت تعتبر من الخطوط الحمراء التي لا يمكن تجاوزها وأخرى لا يمكن التفريط بها ،فليس أول هذه الخطوط \" الإسلام مصدر أساسي للتشريع \" وليس آخرها \" إقليم كوردستان وحق تقرير المصير وتقاسم الثروة والبيشمركة \" التي غيبت ، ولا ندري ما ثمن هذا التنازل ؟ البعض يقول أن دخول الأمريكان ضاغطين ومطالبين إبداء التساهل أزاء المطالب الطائفية ، بموقع الإسلام المتميز في التشريع ، ولا ندري لم هذا الكرم الأمريكي والغزل مع الطائفية ، وهم يعلمون النتائج الخطيرة التي يؤدي إليه مثل هذا الموقف ، لما له من انعكاسات تؤثر على الموقف الإيراني والصراع الدائر بينهما في المنطقة ، كما أن المواقف الكوردية من مجمل قضايا تخصهم كانوا متمسكين بها ، قد أغفلت وتم تجاهلها في الظرف الراهن ، ولم يتضمنها الدستور في مسودته الراهنة ، هذا كله يدعونا للتساؤل هل وراء كل هذه المواقف مجتمعة طبخة مساومة تعد من وراء ظهر الشعب العراقي ؟ بيع وشراء للعراق وشعبه بين هذه القوى مجتمعة ، القومية الكوردية والطائفية وقوى الاحتلال الممثلة بالسفير الأمريكي خليل زاد ؟ لا شك ستظهر الأيام القادمة ما هو مخفي من الأمور والذي أدى لأن ينفرد \"الائتلاف الشيعي \" ويحقق كل ما رغبوا به في هذه المسودة ، والتي اكتنفها غموض بحقوق المواطن الديموقراطية ، وأنكروا فيها حقوقا أساسية لنصف المجتمع العراقي ، ولم يسلموا لها ، للمرأة ، بحق مساواتها مع الرجل ، في الكثير من حقوقها التي تقرها المواثيق الدولية ومبادئ حقوق الإنسان ، فهل سيشرع الكورد في إقليمهم قوانين تخالف الدستور ، والقوانين والمواثيق الدولية ، الذي هم موافقون عليه .؟ مسودة الدستور ، ولكن ...المؤجل إقرارها ثلاثة أيام ، مهدت الطريق لتفكيك العراق وتجزئته على أساس طائفي بحت ، بحجة عدم الموافقة على المركزية التي من شأنها إنتاج الديكتاتورية ، وهذا إلى حد ما صحيح ، ولكن هل الإسلام بكل طوائفه ومذاهبه ، المتنوعة والمتعددة ، قادر على إنتاج \"مفاهيم ديموقراطية \" وهل ما هو قائم في بعض دول الإسلام ! له علاقة بالمفاهيم أو الحقوق الديموقراطية أو حتى الإسلامية ؟ وهل تحظى بإجماع المسلمين ؟ التناقض في الدستور خطرة عواقبه ، ولا يجوز أن تثبت مادة أو فقرة غير واضحة أو ملتبس فهمها ، فقد نصت المادة الثانية أولاـ \"الإسلام دين الدولة الرسمي ، وهو مصدر أساسي للتشريع ، ولا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابته وأحكامه .\" ثانيا ـ \" لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديموقراطية ولا مع الحريات الأساسية الواردة في الدستور \" من يستطيع أن يوضح ويفسر هذه المادة ؟ كيف لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابته وأحكامه \" الإسلامية ، وثانيا المارة الذكر التي تنص على عدم سن قانون يتعارض مع مبادئ الديموقراطية ؟ فكل حكم ديني وطائفي تعارض مبادئه المبادئ الديموقراطية ، وكل المبادئ الديموقراطية معارضة لتعاليم كل دين ، ولا جامع يجمع الإثنين في مكان ما ! لفك هذا اللغز نحن بحاجة لمن يوضح لنا كل الثوابت والأحكام الإسلامية التي تنص عليها هذه الفقرة ، منعا لتأويل المتزمتين من الفقهاء ، الذين سيضمن لهم الدستور الجديد موقعا في المحكمة الدستورية ، ويمنحهم حق تفسير القوانين وما استعصى فهمه ! كما الحاجة تقتضي أن تسطر المبادئ الديموقراطية ، والحقوق والحريات الأساسية التي يرغب الدستور في صيانتها للمواطن ،منعا لتجاوز وتعدي المنكرين لحقوق الغير عليها ، ولا يجوز أن تعهد لقانون سيشرعه مشرع طائفي أو عنصري وفق هواه ، كما هو حاصل في المحافظات التي يحكمها الإسلامويون الجدد ! فإذا كان الدستور إسلاميا ، والإسلام شيعا وطوائف ، فمن يا ترى سيكون له السبق في التشريع وتحديد ما هو إسلامي من غيره وفي النهاية ليس لنا سوى ، طاعة أولي الأمر منكم !
أما ما يخص الفدرالية ، فالطائفيون ، يعتقدون بل يصرون على أن الجنوب له خصوصيته ، في مظلوميته ، وسبب مظلوميته هو وقوف الشيعة إلى جانب أهل البيت ، علي بن أبي طالب وأولاده وذريتهما من بعدهما وحتى اللحظة مدافعين عن حق تاريخي ، وهذا الحق هو حكم مسلوب منذ مئات السنين ، والذي يطالب به ورثة يقولون انهم الوارثون ! ولكن لم يخبرنا أحد هل أن الإسلام كان هو السبب في تجريد علي وأهل بيته من الحكم أم لا ؟ إذن فمنذ أكثر من 1400عام ، أي من بعد موت النبي محمد ، وعدم تشخيصه الصريح ، وغير المتفق عليه ، لمن يتولى الأمر من بعده ، وحتى اللحظة لم يطبق الإسلام ، وكل خليفة عادل أم جائر ، طبقه وفق رؤاه وتصوره ، حتى وإن تعارض مع نص الآيات الصريحة ، ومن تعاقب على حكم العراق باسم الإسلام اضطهد كل الشعب العراقي ، بكل طوائفه وقومياته وليس الشيعة وحدهم ، فلم هذا الحق والخصوصية والمظلومية التي يطالب بها الطائفيون ؟ هذا أولا ، وثانيا هل يعتقد أتباع الإمام علي ، لو افترضنا أنهم موحدون فيما يذهبون إليه ، وهذا افتراض باطل ، هل بعد كل هذا التاريخ هم قادرون لأن يعيدوا للإسلام روحه ورونقه بعد أن أسس أمثال لهم حكما أغرق البلاد في مشاكل لها أول وليس لها آخر ، ليس أولها إنكار حقوق القوميات ولا آخرها طمس الحريات ؟ فإن كان نموذجهم إيران ، فمشروعهم في العراق فاشل وعليهم أن يفتشوا عن طريق آخر ! قائمة الائتلاف الشيعي ، الطائفية ، لو طرحت مشروع الفدرالية في العراق على أساس تاريخي ، جغرافي وحتى قومي ، أسوة بفدرالية كوردية ، لكل العراق العربي ، لظهرت بمظهر أكثر وطنية وحرصا على العراق من غيرهم ، ولسحبت البساط من القوى المناوئة لها ، ولقلنا ولقال غيرنا ، إنها من يسعى لوحدة عراقية حقيقة ، أما وقد تبنى قادتهم ، سلخ الجنوب لإقامة فدراليات بحجة عدم عودة الدكتاتورية ، وهي حجة باطلة تفوح منها رائحة النفط ، فهم سيقيمون دكتاتورية أدهى وأمر ، ولظهروا ، كما هو الواقع اليوم ، أنهم غير معنيين بالعراق وبشعبه ، وسيزيدون من معاناته ومأساته ، فصدام لم يكن قد اضطهد الشيعة ولا الكورد ـ الكثير من هؤلاء دعموه وآزروه ـ بل اضطهد كل الوطنيين العراقيين الذين وقفوا ضد عنصريته وطموحه غير المشروع ، من السنة والشيعة والكورد وغيرهم من الطوائف والقوميات ، فبسبب وطنيتهم تم الاضطهاد والقتل والظلم ، وليس بسبب طائفي أو قومي كما يريد أن تصوره لنا الطائفية ، وفي هذه اللحظة يتم تهجير الشيعة من تلعفر إلى مناطق أخرى من بغداد وغيرها ، فهل هذا هو الحل الطائفي ـ القومي لمشاكل العراق ؟ أن المشاكل ستتعدد وتظهر تباعا ، فكما ظهرت مسألة تقاسم الثروة ، التي يعتبرها الطائفيون ملكا لهم لأنها في جنوب بلد يسمى العراق ! تظهر حاليا مقاسمة المياه ، فإن سيطر العرب السنة والكورد على مياه العراق ، وحجبوها عن الجنوب فما العمل ؟ هل سيبادلون النفط بالماء ؟ وسيزول آنذاك شط العرب وتصبح الحدود واحدة مع الجار والشقيق الطائفي ، وسيتحقق آنذاك مشروعهم الوحدوي الساعون له والذي تتضمنه أجندتهم الطائفية ، التي بدأ الإعلان عنها شيئا فشيئا ! أليس كذلك ؟ لا ، هذا لن يكون ، فثروات العراق ، يا سادة العراق الجدد ، من نفط وغاز وماء وكبريت وغيرها من الثروات التي لا تحصى ولا تعد ، هي ملك للعراق ، وبالتالي كل مواطن عراقي في الشمال أو الجنوب ، وفي أي مكان كان من العراق له حصة فيها ، وهي ملكه ، وسيدافع عنها ، ولا يمكن لأحد كان من كان وبأي شكل كان ووفق أية ذريعة أن يجرد العراقي من حقوقه ، ويوزعها حصصا وفق نظرية آخر زمان :ـ \"برميل إلك برميل إلي \" إنها أحلام قصيرة الأجل ، فإن تحققت بعضها نتيجة لظروف أوجدتها الدكتاتورية العنصرية ، ولما أضافت عليها قوات الاحتلال ، وللإرهاب الذي نتج عن المشروع الأمريكي ، الداعي لنقل مقاومة الإرهاب بعيدا عن الساحة الأمريكية ، والطائفية التي ذر قرنها وبدأت بطرح شعاراتها المظللة مستغلة الواقع المزري للمواطن العراقي ، الذي هو جزء من واقع أوجدته وهي في السلطة، فهذا كله أمر لن يطول ، قصر أو طال ، وستعود الحياة لمجاريها ، ولم يبق في الوادي إلا الحجر الوطني المقاوم لكل المشاريع المشبوهة ، عربية كانت أم طائفية ، فارسية أم أمريكية ، فالعراق لكل العراقيين وستفشل كل مشاريع التجزئة كائنا من كان وراءها ! وسيسن دستور عراقي على أسس وطنية خال من كلمة لكن ..!



 

 

Google


 في بنت الرافدينفي الويب


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

© حقوق الطبع والنشر محفوظة لموقع بنت الرافدين
Copyright © 2000 bentalrafedain web site. All rights reserved.
 info@bentalrafedain.com