مقالات في المجتمع المدني

 

 

المثقفون العرب والتخريب الحالي لمصطلح المجتمع المدني

 

سعد الدين ابراهيم

 

شاع استعمال مصطلح المجتمع المدني في أدبيات العلوم الاجتماعية في تسعينات القرن العشرين، بعد انهيار دول الكتلة الشرقية، وفي مقدمها أكبر وأقوي هذه الدول، وهو الاتحاد السوفياتي نفسه، من دون طلقة نار واحدة من المعسكر المعادي، وهو الغرب، وذراعه العسكري المعروف باسم حلف الأطلسي. لقد قيل وقتها إن هذا الانهيار السريع، لم يكن مفاجأة لمن يعرفون طبيعة النظم الشمولية التي كانت تحكم دول الكتلة الشرقية. ففي هذه النظم الشمولية تبتلع الدولة المجتمع، ويبتلع الحزب الايديولوجي الأوحد الدولة ، ويصبح الفرد أعزل في مواجهة الدولة والحزب. فينكفئ علي نفسه، أو علي أسرته الصغيرة، يحتمي بدفئها في مواجهة الكيانات الباردة الضخمة لكل من الحزب والدولة.

كان الروائي الإنكليزي جورج أورويل، هو أول وأشجع من سبر أغوار هذه الظاهرة الجديدة في تاريخ البشرية في روايته الشهيرة 1984 ، التي ظهرت في بداية الحرب الباردة العام 1949، فعلي رغم أنه كان يدين بالاشتراكية في فكره السياسي، إلا أنه رأي كيف يمكن أن يتم استغلال الإنسان باسم العدالة . فبإسم تحرير هذا الإنسان من الاستغلال الاقتصادي يتم استغلاله، بل سحقه، إنسانياً وروحياً. وانهارت الكتلة الشرقية من داخلها بعد أن سحقت مواطنيها، فلم يدافع عن أنظمتها الشمولية أحد من أولئك المواطنين. وبدأ تمرد العمال في بولندا علي الحزب الشيوعي الحاكم، الذي كان يدعي أنه حزبهم. لقد ترك عمال بولندا الحزب الشيوعي البولندي، والنقابات التي تدور في فلكه، وكونوا نقابتهم المستقلة تضامن العام 1980، وبعد ذلك بعشر سنوات، كانت نقابة العمال الحرة تضامن نجحت في إسقاط النظام الشمولي بقيادة الحزب الشيوعي البولندي، وحلت نقابة تضامن في السلطة سلمياً، وبانتخابات حرة، محل الحزب الشيوعي الذي هيمن علي المجتمع والدولة لمدة أربعين عاماً كاملة وبلا منازع. وشجعت تجربة نقابة تضامن مبادرات مماثلة في بقية بلدان الكتلة الشرقية، ومنها تشيكوسلوفاكيا. ففي هذه الأخيرة تكوّن المنتدي المدني ، برئاسة الكاتب المسرحي المبدع فاكلاف هافيل، وقام المنتدي المدني في تشيكوسلوفاكيا بالدور نفسه الذي قامت به نقابة تضامن في بولندا، وهو التقويض السلمي لسلطة الحزب الشيوعي الحاكم.

وهكذا خلال خمسين عاماً من ظهور رواية جورج أورويل 1984 ، كان النظام الشمولي الذي انتقدته الرواية قد تساقط وأصبح أثراً بعد عين، وبسقوطه اتسع الكفران بالأيديولوجيات الطوباوية. وأخذ هذا الكفران عنوان ما بعد الحداثة ، الذي يعبر عن تيار واسع يرفض الطوباويات، التي يمكن باسمها استغلال الإنسان أبشع استغلال. إن تيار ما بعد الحداثة يرفض قبول المسلمات ويسائل كل شيء، وينقد كل شيء، ويعتبر أي صيغة للحكم أو المعرفة صيغة موقتة ينبغي نقدها ومراجعتها منذ لحظة ما بعد البداية مباشرة، إن لم يكن منذ اللحظة الأولي لولادة الصيغة أو الفكرة. إن تيار ما بعد الحداثة لا يؤمن باكتمال أي نسق معرفي أو اجتماعي أو سياسي أو اقتصادي. وإن كل الأنساق، من وجهة نظر ما بعد الحداثة هي أنساق في حال سيولة وصيرورة دائمة، أو ينبغي أن تكون كذلك. لكن، ما شأن هذا كله بمصطلح المجتمع المدني؟

ظهر مفهوم المجتمع المدني في القرنين السادس عشر والسابع عشر، مع نظريات العقد الاجتماعي عند توماس هوبز، وجون لوك، وجان جاك روسو، وكأن يشير في ذلك الوقت إلي مجتمع المواطنين الأحرار، الذين يختارون بإرادتهم الحرة شكل وشروط الحكم الذي يعيشون في ظله. وعبر مفكرو القرنين السادس عشر والسابع عشر عن شروط هذا الاختيار الحر بـ العقد الاجتماعي ، والذي هو عقد افتراضي وليس عقداً حقيقياً بالمعني الحرفي للكلمة. وكانت مقدمات هذا العقد وشروطه عند توماس هوبز تفضي إلي قبول النظام الملكي المطلق الذي لا رجعة فيه. بينما كانت مقدمات هذا العقد وشروطه عند جون لوك، وبعده عند جان جاك روسو، تفضي إلي نظام ملكي مقيد، يمكن سحب الشرعية منه إذا أخلَّ بحقوق المواطنين.

وظل مصطلح المجتمع المدني يستخدم بواسطة المفكرين الاجتماعيين حتي هيغل وماركس - أي إلي أواخر القرن التاسع عشر. ثم انزوي مصطلح المجتمع المدني إلي هوامش النسيان، وحلت محله مصطلحات جديدة أكثر جاذبية طوال القرن العشرين، لكنه عاد إلي الظهور، وبقوة في العقد الأخير من القرن العشرين. ويعزو المراقبون هذه العودة القوية وهذا الإحياء المصاحب لمصطلح المجتمع المدني إلي انهيار الكتلة الشرقية. وربما كان استخدام عنوان المنتدي المدني بواسطة هافيل في ما سُميَ بـپ الثورة المخملية في تشيكوسلوفاكيا، وكانت ثورة سلمية تماماً، هو الذي أعاد مصطلح المجتمع المدني إلي قلب المسرح الفكري للعلوم الاجتماعية في العقدين الأخيرين. لكن هذه العودة لمفهوم المجتمع المدني ليست مجرد نبيذ قديم في زجاجات جديدة، إنها أكثر من ذلك بكثير.

تم إحياء مفهوم المجتمع المدني بعد حوالي قرن من الانزواء، وكما يقول لنا علم الاجتماع المعرفي، لا تختفي أو تظهر المفاهيم بمحض المصادفة، لكن، يحكم هذين الاختفاء والظهور عوامل مختلفة ومعقدة. وفي ما عرضناه أعلاه تنويه ببعض هذه العوامل بدءاً برواية جورج أورويل 1984 التي ظهرت العام 1949 في بريطانيا، إلي إنشاء نقابة تضامن في بولندا العام 1980، إلي المنتدي المدني في تشيكوسلوفاكيا العام 1989، ثم الانهيار الكامل للكتلة الشرقية، التي كانت تعتمد الماركسية ايديولوجية رسمية لأنظمتها الشمولية الحاكمة (1989 - 1991). لقد جاء مفهوم المجتمع المدني ليعبر عن هذه الحال أو العملية التاريخية المزدوجة: التفكك والانهيار للأنظمة الشمولية من ناحية، وولادة مجتمعات حرة ديموقراطية من ناحية أخري.
وتمت هذه العملية المزدوجة في معظم بلدان أوروبا الوسطي والشرقية بأشكال سلمية. لذلك ارتبطت هذه العملية بمصطلح المجتمع المدني، وارتبط هذا الأخير بأسلوب الإدارة السلمية للصراع أو الجدل الاجتماعي. ومن هنا أطلق المراقبون علي ما حدث تعبير الثورة المخملية ، تمييزاً لها عن الثورات الدموية الحمراء، التي عرفها التاريخ الحديث منذ الثورة الفرنسية (1789) إلي الثورة الإيرانية (1979)، مروراً بالثورة البلشفية (1917) والصينية (1949)، وثورات أخري عدة في العالم الثالث.

لذلك حينما تم بعث مفهوم المجتمع المدني في أواخر القرن العشرين، ارتبط بمفهوم أول موازٍ له هو إدارة الصراع والاختلاف بشكل سلمي. وتأكد هذا الارتباط بالطريقة التي حسم بها الخلاف بين الشعبين التشيكي والسلوفاكي في دولة تشيكوسلوفاكيا. فقد انفصمت وحدة الشعبين اللذين ظلا متحدين لأكثر من نصف قرن انفصاماً سلمياً، بعد أن تم استفتاء الشعبين استفتاءً حراً نزيهاً، وتحت مراقبة دولية. حدث ذلك في تشيكوسلوفاكيا التي كانت منظمات المجتمع المدني فيها أكثر نضجاً ورسوخاً منها في يوغوسلافيا مثلاً. لذلك شهدت الأخيرة حروباً دموية بشعة خلال التسعينات، لرفض حكامها الشموليين منح القوميات المختلفة في الاتحاد اليوغوسلافي استقلالها الكامل أو الذاتي.

كذلك ارتبط البعث الجديد لمفهوم المجتمع المدني في أواخر القرن العشرين بمفهومي الديموقراطية والتنمية. ففي موضوع الديموقراطية لم يكن من الصعب إدراك العلاقة العضوية الوثيقة. فالديموقراطية في النهاية هي الصيغة المؤسسية السلمية لإدارة الصراع بين الطبقات أو جماعات المصالح، أو القوميات والأثنولوجيات. ومفهوم المجتمع المدني لا يخرج عن هذا المفهوم للديموقراطية. لذلك فالمفهومان مترابطان يدعم كل منهما الآخر، بل إنهما وجهان للعملة نفسها. وحينما كتب عالم السياسة صمويل هنتنغتون كتاب الموجة الثالثة للديموقراطية العام 1991، وثق وحلل وفسر العلاقة بين سرعة انتشار الديموقراطية بعد انقلاب البرتغال (نيسان/ابريل 1974) ووجود منظمات المجتمع المدني. فقد لاحظ هنتنغتون أنه بعد الانقلاب الديموقراطي في البرتغال بسنة واحدة حدث انقلاب مشابه في اسبانيا في أعقاب رحيل فرانكو (1975)، ثم حدث انقلاب ديموقراطي ثالث في اليونان ضد الأوليغاركية العسكرية (1976) - أي بعد سنة من التحول الديموقراطي في اسبانيا. وبذلك استكملت بلدان جنوب أوروبا تحولها الديموقراطي، وأصبحت مؤهلة للالتحاق بالجماعة الأوروبية، وهو ما حدث تباعاً في السنوات التالية لهذا التحول الديموقراطي. وفي رأي هنتنغتون وآخرين أنه ما كان لهذا التحول الديموقراطي أن يتم بنجاح لولا منظمات المجتمع المدني من ناحية، والجيرة الديموقراطية من ناحية أخري. فمنظمات المجتمع المدني هي التي تدعم الديموقراطية، وتجعلها غير قابلة للانكفاء أو الارتداد. فبلدان جنوب أوروبا الثلاثة، البرتغال واسبانيا واليونان، كانت خبرت الديموقراطية في النصف الأول من القرن العشرين. لكن هذه الديموقراطيات اليافعة لم تصمد طويلاً لضعف البنية التحتية، وهي قيم ومؤسسات المجتمع المدني، التي لم تكن تبلورت كماً وكيفاً في البلدان الثلاثة خلال النصف الأول من القرن العشرين. لكنها مع الربع الثالث من القرن كانت قويت بما فيه الكفاية، لذلك دعمت الديموقراطية. وهذه الأخيرة بدورها دعمت قيم ومنظمات المجتمع المدني، ثم جاءت الجيرة لتدعم الاثنين، أي المجتمع المدني والديموقراطية، فالديموقراطية في الجوار، تساعد بدورها علي خلق مناخ اقليمي عام يشجع الاقربين علي الصراط الديموقراطي القويم نفسه.
كذلك تزامن بعث مفهوم المجتمع المدني في التسعينات بالمراجعة النقدية الشاملة لتجارب وممارسات التنمية في العديد من بلدان العالم الثالث. كانت ثلاثة عقود مرت منذ أعلنت الأمم المتحدة الستينات كعقد التنمية عالمياً. أجل كان حوالي أربعين بلداً حصلت علي الاستقلال بعد الحرب العالمية الثانية. وتجمعت غالبية هذه البلدان المستقلة حديثاً في باندونغ العام 1955، ثم في ما سيسمي بحركة عدم الانحياز، وفي منظمات اقليمية مثل جامعة الدول العربية (1945) ومنظمة الوحدة الافريقية (1962)، وكانت بداية عقد الستينات مملوءة بالأمل في تنمية سريعة وشاملة، تستفيد بتجارب الكتلتين الرأسمالية والاشتراكية، من دون التقيد بهما أو التبعية لهما، ولم يتحقق خلال عقد الستينات ما كان مأمولاً من الأهداف. لذلك أعلنت الأمم المتحدة في بداية السبعينات العقد الثاني للتنمية ، لكن النتيجة لم تكن أفضل كثيراً من العقد الذي سبقه. لذلك حينما أعلنت الأمم المتحدة العقد الثالث للتنمية في الثمانينات، استقبله الخبراء بفتور ملحوظ. وبالفعل انتهي عقد الثمانينات بخيبة أمل متجددة ومركبة، حيث تضاعفت ديون العالم الثالث، وزادت الفجوة بين فقراء العالم وأغنيائه، وظهرت الدعوة إلي الإصلاح الاقتصادي ، و التكيف الهيكلي واقتصاديات السوق. لكن العديد من الدراسات، بما في ذلك كتابا روبرت بوتنام جعل الديموقراطية تعمل عن إيطاليا، وفرانسيس فوكوياما الثقة عن مجتمعات شرق آسيا، أضافت أبعاداً جديدة لفهم عملية التنمية. وكان من أهم هذه الأبعاد دور قيم وممارسات المجتمع المدني، فقد وجد الاستاذان الشهيران أنه مع وجود السياسات نفسها، إلا أن الفروق الحاسمة في معدلات التنمية من مجتمع إلي آخر (كما وجد فوكوياما)، أو من أقليم أو محافظة إلي أخري في البلد نفسه (كما وجد بوتنام بين شمال ايطاليا وجنوبها) تعود إلي وجود قيم وممارسات المجتمع المدني من عدمه. وأهم هذه القيم والممارسات علي الإطلاق هي الثقة المتبادلة ، التي تجعل كلفة التعامل منخفضة للغاية، الأمر الذي يسهل ويشجع التعاون والمبادرات الفردية والجماعية.

وهكذا مع منتصف التسعينات كان لم يصبح مفهوم المجتمع المدني فقط جذاباً وشائعاً، وإنما أيضاً غنياً في تداعياته بالنسبة إلي عمليتي الديموقراطية والتنمية الاقتصادية، والاجتماعية، واصبح تعريف مصطلح المجتمع المدني يتمحور حول فضاء للحرية يلتقي الناس فيه بإرادتهم الحرة، ويأخذون المبادرات من أجل أهداف أو مصالح أو تعبيراً عن مشاعر مشتركة .

ومع هذا التعريف الواسع أو الفضفاض أمكن لكل ذي حاجة أو غرض أن يركب هذا المفهوم، أو أن يضع علي ظهر المجتمع المدني ما يريد من أثقال. فأين نحن من مفهوم المجتمع المدني في العالم العربي؟ وهل أثقل المثقفون العرب، وربما في استعجال ومن دون فهم كامل، مفهوم المجتمع المدني بما لا يحتمل من معانٍ وممارسات لدرجة يفقد معها المصطلح معناه ومنتهاه؟ لقد فعل المثقفون العرب ذلك بمصطلحات أخري من قبل مثل العدالة، والقومية، الأصالة، والحداثة، والاشتراكية، والديموقراطية - لدرجة التخريب، ففقد الناس الاهتمام بهذه المصطلحات بعد فترة. ولا حول ولا قوة إلا باللّه!!

 

 

 

 

 

 

 

Google


 في بنت الرافدينفي الويب


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

© حقوق الطبع والنشر محفوظة لموقع بنت الرافدين
Copyright © 2000 bentalrafedain web site. All rights reserved.
 info@bentalrafedain.com