مقالات في المجتمع المدني

 

 

العراق في متاهة المجتمع المدني والمجتمع الأخلاقي

 

د. بُرهان شاوي

burhan5655@hotmail.com

 

الإنسان العراقي الباحث عن المعنى في وطنه، والباحث عن معنى لوطنه، يجد نفسه في متاهة معقدة، مليئة بالمطبات السياسية وسوء النية الحزبية، والعمى السياسي،وشراسة الحقد العنصري والطائفي، والهوس المذهبي، والإرهاب البعثي - الإصولي الأعمى، والانتظارات المريبة الحبلى بالمفاجأت غير السعيدة، ومن جهة أخرى يرنو بشوق وأفتخار الى الأمل المتألق في عيون العراقيين الحالمين بالعراق الجديد.
لقد سقط الصنم في التاسع من نيسان 2003، لكن شبحه المرعب لا زال يجول في كل زاوية معتمة، وفي كل دائرة من دوائر الدولة، وبين كل حشد للناس الآمنين.

ورغم هذا الغسق المريب، فان الإرادة الحاسمة، والنبرة العالية التي يطلقها الضمير العراقي تؤكد بأن العراق يعيد بناء نفسه ويلملم جراحاته رغم بشاعة المشهد السياسي في العراق.

 

المجتمع السياسي والمجتمع الأخلاقي

في كتابه ( الدين داخل حدود العقل) يتحدث (ايمونويل كانت) عن حالتين هما: حالة المجتمع المدني السياسي وحالة المجتمع الأخلاقي، قائلا:( حالة المجتمع السياسي القانوني المدني هي القائمة على العلاقة بين الناس بعضهم ببعض من حيث هم يخضعون معا لقوانين النظام العام، وكلها قوانين قهرية مفروضة، أما حالة المجتمع الأخلاقي فهي حالة يوجد فيها الناس مجتمعين تحت قوانين غير قهرية، أي تحت قوانين الفضيلة فحسب).، لكنه في موضع آخر يستدرك
قائلا( ينبغي أن لا يبدأ التكوين الأخلاقي للانسان بإصلاح الأخلاق، وانما بتحويل العقلية وتأسيس أخلاق جديدة، علما أن الناس عادة يسلكون طريقا عكسيا فيحاربون الرذائل بشكل خاص، تاركين جذرها المشترك سليما على حاله).
ورغم إننا لا زلنا بعيدين عن المجتمع المدني القانوني، وإننا نسعى لذلك، خلال إقرار الدستور الذي سيشكل المرجعية القانونية للدولة، وتطوير هذا الدستور لاحقا باتجاهات أكثر إنسانية، إلا اننا أبعد ما نكون عن ذلك المجتمع الأخلاقي الذي تحدث عنه (كانت) وغيره من الفلاسفة والمفكرين.

 

إجتثاث الفكر العنصري، والأصولي، والقومي المتطرف مسألة أخلاقية

إن القانون الأخلاقي الأساس الذي يقوم عليه المجتمع الأخلاقي هو إن يكون تحقيقنا لواجبنا في إنسجام واتفاق مع إرادة الخير فينا، فالأخلاق تقوم على أساس مفهوم الانسان من حيث هو كائن حر يلزم نفسه عن طريق عقله وبإرادته الحرة بالالتزام بواجبه، أي أن الحرية الفردية والاجتماعية في فعل الخير هي أساس الأخلاق، وبهذا الصدد فأن معالجة أصل الشر، وأصل الرذيلة هو الشرط الضروري لقيام المجتمع المدني ومن ثم الأخلاقي، وفي حالة
العراق، فأن إستئصال البعث وفكر البعث، وكل فكر عنصري، اصولي وقومي متطرف، هو جزء أساسي في عملية إستئصال الشر من تربة المجتمع العراقي، وبناء المجتمع المدني ومن ثم الأخلاقي.
الإحتلال الأنكلواميركي لم يقطع جذر الرذيلة، بل أنه في نشوة النصر ضرب هذا الجذر، لكنه سرعان ما تراجع عن كل شعاراته الأخلاقية بسحق الشر من جذره، فقد أتاح لعتاة القتلة سبل الحياة من جديد، لذلك فان التصدي لهذه القضية ومناقشتها بشكل مسؤول هي جزء من بناء الثقافة الوطنية والانسانية الحرة في العراق، بعيدا عن ترهات البعض باللعب بمفهوم الحرية الفكرية وبالممارسة الديموقراطية، لمصالح مفضوحة وتافهة، لا سيما عند هؤلاء المثقفين الذين يسعون للحصول على موقع سياسي أو وظيفة إدارية مرموقة، وهذه ايضا مسألة ثقافية.

 

المجتمع المدني في العراق

المجتمع المدني في العراق يجب أن يكون مجتمعا حرا، مسالما، خاليا من الايديولوجيات الشمولية المتطرفة، خاليا من أي فكر قومي إصولي متطرف، لأية قومية كانت، مهما تغنت بأمجادها الغابرة، وأن يكون خاليا من اي فكر ديني شمولي، بل يجب التأكيد على مبدأ ( الدين لله والعراق للجميع ).
وهكذا، نجد انفسنا أمام إشكال فكري وثقافي هائل، قبل أن يكون إشكالا سياسيا متأزما، علما أن المفكرين العراقيين والمثقفين القلقين المهموسين بالأسئلة المشاكسة تم إبعادهم عن المشهد السياسي في العراق، سواء بارادتهم وسلبيتهم، أو من قبل قوات الاحتلال والأحزاب القائمة التي تخاف الثقافة المشاكسة بالتاكيد، فليس هناك ثقافة إنسانية تقبل بالاحتلال، وليس هناك مثقف يقبل ان يكون وطنه محتلا، رغم أن المشهد العراقي من الغرابة والتشويه بحيث ان أعداء العراق يزاودن على العراقيين في وطنيتهم وفي محاربتهم للاحتلال. بل هناك من لم يعد يكتفي برحيل الاميركان من العراق، وانما اخذ يفتي بقضايا تخص بنية الشعب العراقي، وتشكيلاته القومية وطوائفه وملله.

 

مسودة الدستور العراقي بين الدنيوي والديني

 من يقرأ مسودة الدستور العراقي المطروحة للتصويت، ويتفحصها، سيجد أنها تحاول أن تمسك بالمعادلة المتناقضة والصعبة، ألا وهي وضع الدنيوي والديني في نسيج قانوني واحد. فمن الإقرار المطلق بحقوق الإنسان كما أعلنتها المواثيق الدولية، حيث الكل سواسية أمام القانون، ولا فرق بينهم من الناحية الدينية، والقومية، والعقائدية، والاجتماعية، والسياسية ،والأثنية، والفكرية، والجنسية، إلى الإقرار بتطبيق الشريعة، باعتبار الاسلام مصدرا للتشريع لاسيما فيما يخص شؤون الميراث، وتعدد الزوجات، والآداب العامة، والتأكيد على دور المرجعية الدينية والطقوس الدينية وما شابه ذلك.

 أي أن الدستور يسعى لتأكيد المرجعية الفكرية للمجتمع المدني، من خلال التأكيد على حقوق الإنسان، لكنه من جهة أخرى يسعى لتاسيس المجتمع الأخلاقي، المبني على المرجعية الدينية، رغم ان هذا لا يعني أبدا بان المجتمع المدني بلا أخلاق، لا ولا يعني ايضا بأن المجتمع الأخلاقي الديني مجتمع لا يعترف بسيادة القانون الوضعي وبالمجتمع السياسي.

إلا ان غياب الثقافة الدستورية، الديموقراطية، عن الوعي الجمعي للمجتمع العراقي، وتصاعد نبرة الغلواء السياسية والدينية المتطرفة التي تتلبس التاريخ الاجتماعي والتراث الديني، وتتمسح بالأخلاق وبالآداب العامة(وهذه عبارة غامضة وحمالة أوجه عند التأويل) تجعل مسارات المجتمع العراقي المستقبلية غامضة ومريبة.

 

إشكالية التنوير الإجتماعي

 إنه من الواضح جدا في أن الوضع في العراق معقد، ومثير للتأويلات والمخاوف، من حيث أن إنهماك السلطة السياسية في العراق بتثبيت قدمها، وتأكيد قوتها، والإرتقاء بهيبتها، وبناء مؤسسات الدولة المدنية من جهة، وسعي الأحزاب المهيمنة على هذه السلطة في الترويج لمشرعها السياسي والآيديولوجي الخاص بها، وليس الأهتمام بالتنوير الاجتماعي، ونشر الثقافة العلمية، والإنفتاح على الفكر الإنساني والحضارة الإنسانية، من جهة أخرى، والتعامل مع الاخر من زاوية الشك، والريبة والأحكام المسبقة يجعل كل البرنامج السياسي للدولة العراقية يبنى على قاعدة رخوة، تهدد بالانهيار مستقبلا، مهما طالت أو قصرت المدة.

 إن دستورا كاملا ومتكاملا، بلا نواقص، وبدون التي واللتيا، لا يعني شيئا، وسيكون بلا قيمة تذكر،بدون ثقافة دستورية إجتماعية، وبدون وعي يموقراطي شعبي، وبدون تنوير إجتماعي حقيقي.

 تنوير إجتماعي يؤكد على إن الأخلاق هي تسجيد لإرادة الخير فينا، بغض النظر عن مرجعيتها الدينية أو الدنيوية. وإن الأخلاق الطبيعية والإنسانية تقوم على فعل الخير بعيدا عن فكرة الجزاء والثواب، وهي فيض ينبع من الفطرة الإنسانية.

إن تنويرا إجتماعيا حقيقيا تساهم فيه كل مؤسسات الدولة وكل وسائل الإعلام المقروءة والسمعية البصرية، وتربية الانسان العراقي بثقافة التسامح وقبول الآخر ودنما أحكام مسبقة، هو الضمان الحقيقي لسلام العراق، وليس الضخ الإعلامي، ليل نهار، في خلق وعي إجتماعي وسياسي مزيف، وتأجيج مشاعر

الانسان العراقي، دنما أية محاولة جادة وحقيقية ومخلصة للتطهير الإجتماعي.

إن السلام الحقيق للعراق يكمن في بناء المجتمع المدني المبني على إرادة الخير في أفعال وضمائر أبنائه، بغض النظر عن الدين والطائفة أوالملة والمذهب.

 

 

 

Google


 في بنت الرافدينفي الويب


 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

© حقوق الطبع والنشر محفوظة لموقع بنت الرافدين
Copyright © 2000 bentalrafedain web site. All rights reserved.
 info@bentalrafedain.com